وبالإضافة إلى ضغوطات الحياة الأخرى الكثيرة، يعتبر الحرمان من الأغذية اللذيذة مثل الكنافة من منغصات الحياة التي تمنعه من الحصول على القليل من المتعة المؤقته التي قد تسهّل عليه تحمّل باقي الأعباء. ولعل أصعب ما في السكري هي هذه الأوقات التي يشتهي فيها المرء الكنافة ثم يعمل جاهدا على كبت هذه الرغبة وتجاهلها والهروب منها، أو عندما يشاهد أناسا من حوله يستهلكونها بمتعة بينما هو يتمنى مشاركتهم لكنه يمتنع عن ذلك حرصا على صحته. أما تلك اللحظات التي يقرر فيها ضرب السكري بعرض الحائط ويقبل على التهامها، فهي تحمل مشقّة نفسية لا تقل في حدّتها عن مشقة الحرمان، خاصة بعد أن يقوم المرء بعدها بفحص ذاتي للسكر ويشاهد "320" على جهاز قياس السكر! فيبدأ بعدها الشعور بالندم والغضب الموجه نحو الذات أو نحو السكري أو نحو الكنافة! وربما يشعر المرء أيضا أن هذه الإنفعالات النفسية المرافقة للكنافة تعمل على رفع مستويات السكر في الدم سواء تم استهلاكها أم لا. وفي محاولة لتخفيف هذه الإنفعالات، قام الكثيرون بمحاولات لإيجاد حلول إبداعية للتعامل مع الكنافة مثل استهلاكها "بدون قطر" أو "مع قطر خفيف" أو تناولها بدلا من وجبة رئيسية، على أمل أن تنجح هذه الطرق بالحصول على القليل من المتعة بأقل الأضرار الصحية. فهل تحمل هذه الطرق بعض المصداقية من الناحية الطبية؟ وهل من سبل أفضل لإدارة الرغبة للمذاق الحلو؟
بداية، لا بد من التطرق للأهداف العلاجية للسكري والتي تتمحور حول ثلاث نقاط:
- مخزون سكر (HBA1c أقل من 7% أو أقل من 8%) وفقا للأهداف العلاجية الفردية التي يحددها الطبيب المعالج، حيث كشفت الدراسات أن المحافظة على مخزون سكر ضمن الأهداف العلاجية يقلل بشكل ملحوظ من احتمالات الإصابة بمضاعفات السكري في العيون والكلى وجهاز العصبي المركزي الذي ينعكس على القدرة على الإحساس في الأطراف وعلى الوظائف الجنسية.
- الكولسترول الضار (LDL) أقل من 100 في غياب أمراض القلب والشرايين أو أقل من 70 لمرضى القلب، ويشار أن إدراج معدّل الكولسترول الضار في الأهداف العلاجية يأتي على خلفية العلاقة بين الكولسترول الضار وتصلّب الشرايين حيث كشفت الدراسات أنه في حالات السكري، فإن خطر الموت بسبب الجلطات القلبية والدماغية يرتفع بمعدّل 2-4 أضعاف مقارنة مع الأشخاص الذين لا يوجد عندهم سكري.
- ضغط دم حتى 130/80، وذلك لأن ضغط الدم المرتفع يرفع من خطر الإصابة بأمراض الكلى والجلطات الدماغية.
وتنبع أهمية تحقيق الأهداف العلاجية في تأثيرها الإيجابي بتخفيض احتمالات حصول مضاعفات السكري المختلفة. وتشير الأبحاث أن تحقيق الأهداف العلاجية والمحافظة عليها لأطول فترة ممكنة يساعد الإنسان الذي عنده سكري أن يمارس حياة طبيعية مثله مثل أي إنسان آخر لا يوجد عنده سكري. وبسبب تعدد الأهداف العلاجية للسكري بحيث تشمل أيضا الكولسترول وضغط الدم، يمكن القول أن علاجه يشبه في أدق وصف له السيارة التي تمشي على أربع عجلات وهي:
- الغذاء الصحي، بحيث يساعد في الوصول إلى الوزن الصحي، توازن جيد للسكر خلال النهار، ضغط دم متوازن، والمحافظة على صحة الشرايين
- النشاط البدني، بحيث لا يقل مدته عن 150 دقيقة بالأسبوع
- العلاج الدوائي والإلتزام بالجرعة والتوقيت الذي يحدده الطبيب المعالج
- الحصانة النفسية وعدم التردد بطلب الدعم النفسي عند الحاجة
عندما يكون هنالك تقصير في واحد أو أكثر من هذه الجوانب، كلنا نعرف كيف يؤثر ذلك على توازن سيارة تكون واحدة أو أكثر من عجلاتها مثقوبة أو هابطة، ومن هنا تنبع أهمية العناية بكل واحدة من هذه العجلات بحيث لا تعوّض قوة واحدة منها عن أية عجلة أخرى. ومن هذا المنطلق حرصت كلاليت على توفير طاقم علاجي متكامل للسكري يشمل أخصائية تغذية، تثقيف ومتابعة من قبل التمريض، دعم من قبل باحثة اجتماعية بالإضافة إلى الطبيب المعالج، هذا بالإضافة إلى توجيه المعالجين للقيام بالفحوصات الدورية الروتينية للعيون وكف القدم والقلب.
ونعود إلى الكنافة، فبالتأكيد أن كل مكوناتها المختلفة من عجين وجبن وسمنة وقطر تشكل تحديا صحيا في حالات السكري، وخاصة أن الكنافة تجمع بين الدهون الموجودة في السمنة والجبن وبين كمية النشويات العالية في العجين وفي القطر. لهذا فإن التخلص من القطر أو تقليل كميته لا يشكل بالضرورة حلا كافيا. ولو تمعنّا في مكونات الكنافة وتأثيرها على صحة الإنسان لوجدنا أن أكثر مكوناتها ضرارا هي السمنة بتأثيرها السلبي المزمن على تصلّب الشرايين، وليس بالضرورة القطر الذي قد يرفع السكر بشكل مؤقت.
ومن هذا المنطلق لا بد من التمييز بين أضرار السمنة النباتية وبين أضرار السمنة الحيوانية والزبدة، حيث أن الخيار الأول يحمل أكبر الأضرار من حيث تأثيره الضار على تصلّب وتضيّق الشرايين لأن السمنة النباتية كالمارجرين تحتوي على دهون مهدرجة لا تتناسب مع السكري حتى ولو بكميات قليلة. أما السمنة والحيوانية والزبدة فتعتبر دهون طبيعية مشبعة التي تحمل أضرارا أقل على صحة الشرايين. ومن هذا المنطلق فإن استهلاك كنافة خالية من السمنة النباتية والقطر تعتبر فعلا الخيار الأفضل. ولا بد من الإشارة هنا أن إمكانية تحضير الكنافة البيتية بجبنة قليلة الدسم والزبدة يشكّل الخيار الأفضل لمحبي الكنافة، مع الأخذ بعين الإعتبار على أهمية الحصول على استشارة فردية من قبل أخصائية تغذية حول الكمية والوتيرة التي تناسب كل شخص حسب ما يسمح وضعه الصحي.
سهى خوري, أخصائية تغذية طبية, مركّزة علاج السكري
* المعلومات الواردة في الدليل هي معلومات عامة فقط. يرجى مراجعة في شروط الاستخدام وحماية المعلومات