مقدّمة عن الموضوع وتعريفات:
"لماذا تقفُ منحنيًا, اسند جسمك وانتصب." "أنتِ أيضًا جميلة جدًّا، لكن خسارة أنك منحنية الجسم وغير منتصبة."
هذه بعض الملاحظات التي تُقال للشباب والشابات في جيل النضوج. وهذا غير مريح لمن يسمع ذلك ويعكّر الأجواء ويضرّ بالتصوّر الذاتي والثقة بالنفس. وهذا ينتج عن عادات ومعتقدات تعوّدنا عليها، فالصبايا في مرحلة النضوج يحاولن إخفاء بروز الثديين. وفي ثقافات معيّنة يُعتبر الانحناء احترامًا ونوعًا من الأخلاق.
والسؤال هنا هو كيف يمكن لهؤلاء الشباب تحسين ذلك؟ هل بالفعل نستطيع إحداث تغيير. لهذا، يجب معرفة القوى المؤثرة على العمود الفقري، وعندها يصبح التغيير سهلاً جدًّا.
العمود الفقري عبارة عن منحنيات (أقواس) وظيفتها إحداث الحركات وامتصاص الضربات. هذا المبنى يحتاج إلى المحافظة عليه عن طريق العضلات للمحافظة على الانتصاب ومنع تأثير الجاذبيّة.
بعض النظريات التي توصف بأنها علمية تذكر أنّ الإنسان كان يمشي على أربع، ومع مرور الوقت أصبح منتصبًا على رجليه. هذا الأمر يتطلب من عضلاتنا الكثير من الجهد للمحافظة على انتصاب الجسم.
العمود الفقري يشبه الزنبرك والذي يمكن المحافظة عليه مشدودًا أو منقبضًا. إننا نحاول الوصول إلى الحالة التي يكون فيها العمود الفقريّ مشدودًا والمحافظة عليه.
ما سبب عدم الاستقامة وكون العمود الفقريّ منحنيًا؟
الأسباب الدارجة هي: الوراثة، والمقصود مبنى العمود الفقري منذ الصغر، ضعف العضلات، الظروف المحيطة، نمط الحياة والجلوس المفرط فيه.
هذا يؤدي إلى خلل في الاستقامة، مثل:
- القسم العلوي للظهر يصبح منحنيًا، أو ما يسمّى KYPHOSIS
- القسم السفلي للظهر يتقعّر بشكل كبير، أو ما يُسمّى LORDOSIS
- القسم العلوي من الظهر يتكئ إلى الخلف، أو ما يُسمّى SWAY BACK
- ارتخاء كلّيّ للظهر.
- خلل إضافيّ وهو منتشر أكثر لدى البنات ونسبته 2% من بين السكان، يُسمّى الجنف! أو ما يُعرف بـ SCOLIOSIS. المقصود بهذا أنه عند النظر على الظهر من الخلف، في الوضعية الطبيعية لا يكون هناك انحناء إلى الجوانب. في حال وجود انحناء إلى أحد الجوانب أو صور انحناءات أخرى يُدعى ذلك سكوليوزيس.
ما هي الاستقامة الصحيّة في الوقوف والجلوس
هناك تعريف للاستقامة عن طريق ما يسمّى خط التوازن. المقصود بهذا أنه إذا قمنا بالنظر إلى جسم إنسان معيّن من الجانب أثناء الوقوف، وقمنا بتنزيل خط وهمي من الأذن إلى الأسفل، واستطعنا تمرير هذا الخط من خلال الكتف ليستمرّ إلى عظمة الفخذ البارزة حتى الركبة وينتهي في الكاحل، ففي هذه الحالة يكون الجسم مستقيمًا.
يحمل العمود الفقري أثناء الجلوس على الكرسي ثمن وزن الجسم فقط، أمّا الفخذان والمؤخّرة فخمسة أثمان، وأما القدمان فتحملان ثُمنين اثنين. لذا، من المهم جدًّا الجلوس على مسطح واسع، فهذا يخفّف من الضغط على العمود الفقري. كذلك الأمر عند الوقوف.
للمحافظة على القامة المنتصبة يجب شدّ العمود الفقري مثل شد الزنبرك من أطرافه والمحافظة على هذا الوضع طوال اليوم.
التغيّر يحدث عن طريق تغيّر وضعية العمود الفقري، أي تغيير العادات اليومية، وكذلك عن طريق تشغيل العضلات ومساعدتها على انتصاب العمود الفقري.
صبايا وشباب
المحافظة على انتصاب الجسم يتمّ عن طريق تغيير العادات، وهذا يكون في كل مكان وفي كل فعالية يومية، عن طريق إحداث تغيير بسيط في العادات. لا نحتاج إلى أجهزة من أجل ذلك. بل يجب زيادة المعرفة في هذا المجال والعمل على ملاءمة بيئة العمل.على سبيل المثال: أثناء الجلوس يجب إسناد الظهر إلى الكرسي، فهذا يحافظ على انتصابه وقتًا أطول ويكون بمثابة سند جيد للظهر.
وضع القدمين على الأرض - فهذا يحفف من الضغط على العمود الفقري، ويمكّنه من أن يكون منتصبًا فترة أطول.
وضع الحاسوب النقال على مكان مرتفع، فهذا يمنع انحناء الرقبة والقسم العلوي للظهر، ويحافظ على انتصابه.
تدريب العضلات: بعد إحداث التغيير في العادات اليومية وبيئة العمل يجب ممارسة الرياضة. هنالك تدريب خاص لهذه العضلات يعتمد أكثر على قدرة التحمّل لدى العضلات، عمل العضلات بصورة ثابتة، العمل بإجهاد منخفض لهذه العضلات، وأثناء العمل على هذه العضلات ممارسة فعاليات يومية أخرى.
بعض النصائح
- الكتابة على سطح مائل تساعد على انتصاب أفضل في أثناء الجلوس
- أثناء الجلوس أو الوقوف من المهمّ جدًّا إبعاد الكتفين عن الأذنين
- ملاءمة ارتفاع الشاشة والكرسيّ على المكتب
- شدّ العمود الفقري وإسناده في أثناء الجلوس
- المحافظة على صورة الانحناءات في العمود الفقري
- تذكّر أن تشدّ عضلات البطن أيضًا
وماذا عن الكبار؟
هل التغيير ممكن؟ مع التقدّم في السنّ يُبلور الجسم مبناه الهيكليّ، تقلّ ليونته ومجال حركته، كما تقلّ قدرته على التغيّر، ولذا يجب معرفة ما إذا كنّا نستطيع إحداث تغيير بالفعل. ربّما نكون قادرين على إحداث تغيير جزئيّ، وهو أقلّ ما في الإمكان فعله لدى الشباب في مرحلة نموّهم. مثلاً: من اعتاد على الجلوس وظهره ورأسه منحنيان إلى الأسفل في أثناء القراءة، وهو يمارس هذه العادة منذ سنوات طويلة جدًّا، سيكون من الصعب عليه إرجاع استقامة ظهره، حسب تعريف الاستقامة الذي ذكرناه سابقًا. ربّما من الممكن التخفيف من حدّة هذه الظاهرة، لكن ليس في الإمكان إخفاؤها. التغيير هو بالحركات وعمل العضلات وليس بالمبنى، لأنّ مبنى العمود الفقري أصبح أكثر صلابة.
ما العمل، إذًا؟
يجب البدء بالتغيير والعمل على تحقيق ذلك. إذا كنت ترغب في التغيير الفعليّ وفي العمل على انتصاب جسمك والمحافظة على ظهرك وجمال طلتك يجب عقد النيّة والعمل. عليك التخلّص من العادات المسبّبة لاستعمال الظهر بصورة غير جيّدة. ابدأ التغيير الآن في أثناء جلوسك، واستمرّ بهذا في كل مكان تجلس فيه؛ في المكتب وأثناء تناول الطعام أو الجلوس مع الأصدقاء. الأمر غريب، لكن يجب أن تتعوّد على ذلك.
في أثناء الوقوف في العمل، التسوق وحمل الأغراض المختلفة، فكّر بانتصاب جسمك بشكل سليم.
ولا تنسَ أنّه يجب العمل على العضلات وتقويتها. فمن أجل المحافظة على انتصاب العمود الفقري ستحتاج إلى عضلات قوية تستطيع العمل طوال اليوم على انتصاب الجسم وثباته.
يجدر استشارة مَن لديه خبرة في هذا المجال، أخذ التعليمات منه والعمل بها كلّ يوم. النصائح بسيطة وغير مجهدة، أمّا المهم فهو العمل اليومي والمواظبة.
نصائح الأهل والأبناء
الأبناء تنقصهم المعرفة بحالة جسمهم وانتصابه، أحيانًا. وللأهل دور فعّال وحيويّ في هذا المجال. إنّ الأهل الذين يشاهدون أبناءهم عن قرب ويتابعون عاداتهم اليومية، عليهم ملاحظة الحالات المختلفة في الجلوس أثناء تناول الطعام، الجلوس أمام الحاسوب أو التلفزيون. يجب عليكم إسدء النصائح لأبنائكم، فأنتم المرشد الأوّل لهم.
أمّا أنتم أيها الأبناء فعليكم العمل بهذه النصائح، لأنها قيّمة وغالية وتأثيرها على مستقبلكم كبير. تعاونوا مع أهلكم وتقبّلوا نصائحهم. وإذا لاحظتم أنّ الأمر بات يحتاج إلى متخصّصين وأصحاب معرفة وخبرة في هذا المجال، فلا تتردّدوا في التوجّه إلى مَن يستطيع مساعدتكم من الخبراء، فالتغيير ممكن اليوم أمّا غدًا عندما تكبرون فسيكون ذلك غير وارد.
هيّا إلى العمل!
الخلاصة
لا تنتظروا حتى تبدأ الآلام، ولا تنتظروا أن يزداد الوضع سوءًا. ألا يهمّكم الجانب الجمالي لأجسامكم.
ابدأوا الآن في تطبيق ما ذكرناه، كبارًا وصغارًا، فالنصائح للجميع.
حافظ على الانحناءات (S) في العمود الفقري. لتكن رقبتك باستمرارية العمود الفقري. لا تسمح لرأسك أن ينحني إلى الأسفل. حافظ على تقعّر الظهر السفليّ. ادفع صدرك إلى الأمام وإلى الأعلى. لا تبالغ في الحركات، ولتكن معتدلة. اعمل على شدّ عضلات بطنك، وشدّها اتجاه العمود الفقريّ. حافظ على وتيرة تنفس ثابتة وهادئة، فالممارسة تعطي نتائج إيجابية. تذكّر ذلك دائمًا في كل مكان.
محمد منصور، أخصّائي العلاج الطبيعيّ واللياقة البدنية بالتعاون مع تسوريت بوبيس، متخصّصة في علاج مشاكل العمود الفقري .